محمد الغزالي

389

فقه السيرة ( الغزالي )

شيئا ما لن يقف في طريقه ، كلّ ذلك جعل الجيش يزحف للقاء المشركين وهو غير مكترث لما سوف يواجه ، ولم يكترث ؟ ! . إنّهم - وهم قلة - كانوا يكسبون المعارك الطاحنة ، فكيف وهم اليوم يخرجون في عدد لم يجمعوا مثله قبلا ؟ ! قيل : إنّ أبا بكر الصدّيق لما نظر إلى الجيش قال : لن نغلب اليوم من قلّة . . ! . ذلك أنّ المسلمين بلغوا اثني عشر ألفا بمن انضمّ إليهم من أهل مكة . هزيمة : وسار الجيش الواثق حتى وصل إلى وادي ( حنين ) . وكان ( مالك بن عوف ) ورجاله قد سبقوا إلى احتلال مضايقه ، وانبثوا في الشعاب والأجناب المنيعة ، ثم تهيئوا لاستقبال المسلمين . وأقبلت الطلائع الغفيرة تتدافع نحو الوادي - وهي غافلة عمّا يكمن فيه - وكان واديا أجوف منحدرا ، ينحطّ فيه الركبان كلّما أوغلوا كأنهم يسيرون إلى هاوية . فلمّا تكاثرت في دروبه الفرق الزاحفة ، لم يرعهم إلا وابل من السهام يتساقط فوقهم من المكامن العالية ، وكان غبش الفجر لا يزال يترك بقاياه في الجو الغائم ، فارتاعت المقدمة لهذه المفاجأة ، فهي في عماية من الليل وعماية من أمرها ، لا تعرف إلا أن تستدير ثم تولي الأدبار . وانتشرت موجة الفزع ، فكسرت الصفوف المرصوصة وبعثرتها . واستغل رجال ( مالك بن عوف ) هذا الارتباك فهجمت كتائبهم ، وحملت الخيل على ما أمامها ، فانكفأ المسلمون مهزومين ، لا يلوي أحد على أحد . ونظر زعماء مكة إلى الجيش المولّي نظرة تشفّ وفرح . وعاد إلى بعضهم كفره باللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم فقال ( أبو سفيان ) : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ! ولا عجب . . فإنّ الأزلام التي يستقسم بها في جاهليته لا تزال في كنانته . وقال ( كلدة بن الجنيد ) : ألا بطل السحر اليوم . فأجابه ( صفوان بن أمية ) - ولما يزل مشركا - : اسكت فضّ اللّه فضّ اللّه فاك ، فو اللّه لأن يربّني رجل من ( قريش ) أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من ( هوازن ) .